سيد محمد طنطاوي
22
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ولكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ « 1 » . ثم تنتقل السورة بعد هذا التهديد والإنذار ، إلى دعوتهم إلى التأمل والتفكر ، في مشهد الطير صافات في الجو . . وفي أحوال أنفسهم عند اليأس والفقر ، وعند الهزيمة والإعراض عن الحق . . فيقول - سبحانه - : [ سورة الملك ( 67 ) : الآيات 19 إلى 22 ] أَولَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّه بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ( 19 ) أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ( 20 ) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَه بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ ونُفُورٍ ( 21 ) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِه أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 22 ) قال بعض العلماء : قوله : * ( أَولَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ . . ) * عطف على جملة هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا . . استرسالا في الدلائل على انفراد اللَّه - تعالى - بالتصرف في الموجودات ، وقد انتقل من دلالة أحوال البشر وعالمهم ، إلى دلالة أعجب أحوال العجماوات ، وهي أحوال الطير في نظام حركاتها في حال طيرانها ، إذ لا تمشى على الأرض كما هو في حركات غيرها على الأرض ، فحالها أقوى دلالة على عجيب صنع اللَّه المنفرد به . . « 2 » . والاستفهام في قوله - تعالى - : * ( أَولَمْ يَرَوْا . . ) * للتعجيب من حال المشركين ، لعدم تفكرهم فيما يدعو إلى التفكر والاعتبار . . والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، والطير : جمع طائر كصحب وصاحب . . والمعنى : أغفل هؤلاء المشركون ، وانطمست أعينهم عن رؤية الطير فوقهم ، وهن * ( صافَّاتٍ ) * أي : باسطات أجنحتهن في الهواء عند الطيران في الجو ، * ( ويَقْبِضْنَ ) * أي :
--> ( 1 ) سورة العنكبوت آية 40 . ( 2 ) تفسير التحرير والتنوير ج 29 ص 37 للشيخ محمد الطاهر بن عاشور - رحمه اللَّه - .